إعادة الإعمار حقائق وملياراتإعادة الإعمار أم إعمار سورياكلمات قليلة… وورقة واحدة تغيّر المشهدتحركات غير اعتيادية في أكثر من اتجاهالغسانية تعود إلى الذاكرة من جديدلقاء سياحي في الرياض يحمل إشارات تعاونالرئيس الشرع يلتقي الجالية السورية في بيليم خلال قمة المناخاللجنة الوطنية تحقق في أحداث السويداء وتعرض نتائجها الأحدشرطة سرمدا تفك لغز سرقة مستودع بـ56 ألف دولارمن بين الركام تزهر الحياةالجيش السوري يعيد دمج الضباط المنشقينهيرلي يرى فرصاً للسلام عبر الاستثمارإصابات بإطلاق نار من ميليشيا “قسد” على تجار مازوت شرق حلبعودة معمل السماد الفوسفاتي في حمص للإنتاج بعد توقف 3 سنواتتكريم الشرطي أسامة شرف الدين تقديراً لحسن تصرفه

إعادة الإعمار حقائق ومليارات

إعادة الإعمار حقائق ومليارات

إعادة الإعمار حقائق ومليارات

 

لا يغيب عن سوري وعن وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية عند أي حديث يخص الشأن السوري مصطلح “إعادة الإعمار”. ولا شك أنه يشغل الناس ويتجاذبون الأحاديث الخاصة بينهم في جلساتهم ومناقشاتهم. ولا شك أيضًا أنه يمس احتياجات الناس وتطلعاتهم وأملهم بالغد.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها في سوريا، صدم السوريين حجم الدمار الهائل الذي خلفته ماكينة القتل والدمار للنظام البائد الذي لم يوفر بشرًا ولا حجرًا ولا حتى شجرًا لم تطله تلك الآلة المجرمة. وما ضيّق صدر السوريين أكثر هو الحديث عن (إشاعات) وأرقام منها الفلكي ومنها المتواضع دونما أي معيار مهني دقيق يوضح للناس من أتت تلك الأرقام وكيف سيتم البناء وإعادة الإعمار، وسوريا بلد منهار اقتصاديًا حيث ورثنا كلنا كسوريين تركة ثقيلة جدًا خلفها المجرم بشار الأسد وعصابته لازلنا وسنبقى نعاني منها طويلًا.

لنقم أولًا بتعريف بسيط لعملية إعادة الإعمار من ناحية فنية بحتة.

إعادة إعمار بلد خرج حديثًا من حرب مدمرة استمرت عقدًا ونصفًا من الزمن لا شك أنها تحتاج لخبرات علمية وعملية في ذات المجال، وعندما نقول عملية إعادة الإعمار بعد الحروب وخاصة في بلد منهك منذ زمن ما قبل انطلاق الثورة السورية لا نعني هنا به فقط إعادة بناء الحجر الذي تدمر في فترة الصراع، إنما يتعدى ذلك إلى عدة نواحٍ هامة وضرورية في تلك العملية المعقدة.

نذكر منها إعادة إعمار مؤسسات الدولة الرسمية من قضاء وتعليم وصحة وخدمات وأمن وإعلام وغيرها. وهنا لا أنفي أبدًا أن المحور الرئيسي لتلك العملية هو بناء الحجر، إنما أحاول أن أبين مدى تداخل هذه العملية الشاقة في كل مناحي حياة الإنسان في البلاد.

سأتحدث اليوم فقط عن شقين أساسيين في تلك العملية هما (الأرقام وآلية العمل).

1-الأرقام:

نحن هنا لا نستطيع أن نجزم أن هذه الأرقام هي أرقام مبالغ فيها أو صحيحة أو قليلة وسنبين الأسباب من وراء ذلك.

لاحظنا كما لاحظ معظم السوريين أرقامًا تتطاير في الهواء بمئات مليارات الدولارات كان أبرزها ومنشأها ثلاث مصادر رئيسية (البنك الدولي 262 مليار دولار، الأمم المتحدة 400 مليار دولار، ورئيس إحدى الدول العربية 300 مليار دولار).

اطلعنا على الدراسة التي أعدها البنك الدولي والأمم المتحدة ولم نطلع على (تصريح) الرئيس العربي لأنه بالأساس لا توجد دراسة إنما رقمٌ أُعطي بتصريح دونما أي معطيات أو دراسات.

اعتمد البنك الدولي للوصول إلى ذلك الرقم (262 مليار) على ثلاث مصادر حسب ما ذكر في آخر تقريره وهي (الأقمار الصناعية، صفحات التواصل الاجتماعي، وناشطين)، ونعتقد من وجهة نظر هندسية بحتة أنه لا يمكن بحال من الأحوال حصر الأضرار من خلال تلك المصادر.

لا يمكن أن نقيم دمارًا ما ماليًا أو فنيًا من خلال (فقط) الأقمار الصناعية ومواقع التواصل الاجتماعي؛ ليست مصدرًا علميًا يُعتد به، أما الناشطين فلم يحدد البنك الدولي ماهية هؤلاء الناشطين: هل هم (مثلاً) خبراء تقنيين، مهندسون؟

فيما يخص الأمم المتحدة نعلم أن الرقم (400 مليار دولار) أتى من أحد العاملين السوريين في إحدى مؤسسات الأمم المتحدة دونما أي معطيات أو دراسات تذكر (لم نلاحظ وجود أي دراسة أو مصادر أو مراجع أدت لاعتماد هذا الرقم).

الأرقام تأتي من خلال فريق هندسي لديه الخبرة الجيدة حيث يقوم هذا الفريق بمسح الأضرار وتقييمها لكل حالة على حدى وتقسم عادة إلى ثلاث فئات (مبنى مهدم بشكل جزئي، مبنى مهدم بشكل كلي، مبنى بأضرار خفيفة غير إنشائية).

بعد ذلك يقوم الفريق الهندسي بتقييم كل حالة على حدى ووضع أسعار لإصلاحها أو إزالتها وإعادة بنائها. هذه العملية الطويلة نسبيًا والتي تحتاج لخبرات نشطة على الأرض لم تبدأ حتى الآن — على حسب علمنا — وما تم يعود لأيام النظام البائد في مناطق سيطرته فقط إبّان زلزال شباط لعام  2023

من هنا فقط نستطيع إعطاء أرقام أقرب للدقة، وناهيك عن التقدير الذي يأتي بعد الخطة العمرانية للدولة ككل لتطوير البلاد وإنشاء بنى تحتية حديثة وهذه تحتاج وقتًا ليس بالقليل لإفساح المجال للمخططين العمرانيين والاستراتيجيين للوصول بمخططات تحاكي مستقبل البلاد.

وعليه، إن كل ما تم الحديث عنه من أرقام من أي جهة كانت ما لم ترتكز إلى الآلية المتعارف عليها هي مجرد أرقام يطلقها أصحابها لغاية في أنفسهم لا نعلمها ولسنا بوارد تفنيدها.

وهنا لا بدّ من التحذير ولو مجرّد التفكير بالاستدانة من البنك الدولي أو ما شابهه (لم نستدن لكننا شاهدنا دولًا استدانت على مبدأ لم نمت لكننا شاهدنا من مات) وأيضًا, أتفق كليًا مع منهج الحكومة السورية بالابتعاد عن فكر الديون (صرّح بذلك رئيس البلاد وأيّد كلامه حاكم مصرف سورية المركزي).

ولا يجب أيضًا المقارنة مع الدول الكبيرة التي استدانت وعمرت بلادها واستطاعت سداد ديونها (كألمانيا)، فمواردنا غير مواردهم وإمكاناتنا غير إمكاناتهم.

2- آلية العمل:

 

(سريعًا) آلية العمل نقسمها إلى ثلاثة مراحل رئيسية

1-الحالة الراهنة، الإسعافية، على المدى القصير هذه المرحلة والتي قد تستغرق بالحد الأقصى ثلاث سنوات (مضى منها عام ويزيد) تقتصر على إعادة أهلنا إلى مدنهم وقراهم، وهنا لا نقصد فقط إعادة بناء منازلهم المهدمة إنما الأمر يحتاج إلى إعادة بناء المدارس والمباني الصحية إضافة إلى ترميم الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصرف صحي وطرق وتصريف السيول.

2-الحالة الثانية، الاستقرار، المدى المتوسط هذه المرحلة وهي أطول نسبيًا من المرحلة السابقة والتي قد تستغرق عشر سنوات والتي أيضًا يجب حكمًا أن نبدأ بها من الآن؛ وهي مرحلة التخطيط العمراني المحلي والإقليمي لكافة المحافظات السورية وطرق ربطها مع بعضها، وتعنى بشكل رئيسي بالطرق والموصلات ورفع الناتج المحلي عن طريق مشاريع استراتيجية (كالزراعة والنفط والسياحة) والتي ستؤمن بدورها تمويلًا ذاتيًا لعملية البناء والبنى التحتية المستدامة والتي ستوصلنا — بعون الله — إلى المرحلة الثالثة والأخيرة.

3- 3-الحالة الثالثة، الاستدامة، المدى الطويل هذه المرحلة والتي قد تمتد إلى ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين سنة والتي يجب أن تنفذ بها ما تم التخطيط له منذ ما بعد المرحلة الأولى أو اثنائها كرؤية شاملة للبلاد أو ما يمكن أن نقول عنه كيف نحب أن نرى سوريا عام 2050. الكثير من الدول تعتمد رؤى حديثة ومرنة قابلة للتطبيق عبر الزمن الطويل تسعى من خلالها لرفاهية المواطن والرفع من دخله، صحته، وتعليمه.

ختامًا، لا شك كما أسلفنا أن عملية إعادة الإعمار لبلد دمرته الحرب ولم يتم تطويره منذ عام 1963 تحتاج إلى عمل دؤوب وشاق وبالمقدمة أموالًا طائلة، وفي هذه الأخيرة ستتمكن سوريا من خلال مواردها الذاتية ومساعدة ومساهمة بعض الدول الشقيقة والصديقة من خلال الاستثمارات أن تصل إلى الهدف المنشود ولو بعد حين.

ونعيد ونؤكّد أننا لا نستطيع أن نجزم أن هذه الأرقام صحيحة أو مبالغ فيها دون قراءة الدراسات والآليات المتبعة والمتعارف عليها والتي أنتجت تلك الأرقام.

الكاتب  المهندس :أسامة محمود نعناع

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى