إعادة الإعمار أم إعمار سورياكلمات قليلة… وورقة واحدة تغيّر المشهدتحركات غير اعتيادية في أكثر من اتجاهالغسانية تعود إلى الذاكرة من جديدلقاء سياحي في الرياض يحمل إشارات تعاونالرئيس الشرع يلتقي الجالية السورية في بيليم خلال قمة المناخاللجنة الوطنية تحقق في أحداث السويداء وتعرض نتائجها الأحدشرطة سرمدا تفك لغز سرقة مستودع بـ56 ألف دولارمن بين الركام تزهر الحياةالجيش السوري يعيد دمج الضباط المنشقينهيرلي يرى فرصاً للسلام عبر الاستثمارإصابات بإطلاق نار من ميليشيا “قسد” على تجار مازوت شرق حلبعودة معمل السماد الفوسفاتي في حمص للإنتاج بعد توقف 3 سنواتتكريم الشرطي أسامة شرف الدين تقديراً لحسن تصرفه“ضبط شبكة تهريب أسلحة في سرمدا

إعادة الإعمار أم إعمار سوريا

إعادة الإعمار أم إعمار سوريا

منذ ما بعد تحرير سوريا في الثامن من ديسمبر لعام 2024 بدأ السوريون وغيرهم بتداول مصطلح إعادة الإعمار. نراه أمراً طبيعياً جداً في ظل الدمار الكبير الذي خلفته آلة الحرب المجرمة، إن كانت من قبل النظام البائد أو من قبل حلفائه (الروس والإيرانيين). بينما كان هناك خبراء من مهندسين ومن في حكمهم قد عملوا منذ مطلع عام 2012 على وضع خطط ورؤى لهذه العملية المعقدة جداً للبدء بها في اليوم التالي للسقوط المتوقع للنظام البائد.

للإجابة الدقيقة عن أيّهما أصحّ بين المصطلحين (وكلاهما صحيحان في الحالة السورية) علينا تعريف وتفنيد المصطلحين أولا.ً

إعادة الإعمار:

هي العملية الهندسية والاقتصادية (والسياسية) لبلد خرج حديثاً من حرب طاحنة، تعنى بما تم تدميره أثناء الحرب من منشآت عامة وخاصة (سكنية، دور عبادة، إدارات، مستشفيات ومنشآت تعليمية وغيرها) وما تضرر من بنى تحتية خلال تلك الحرب (طرق، جسور، شبكات كهرباء وصرف صحي وغيرها).

 تقتصر هذه العملية الصعبة نسبياً على حصر حجم الأضرار في المباني والمنشآت آنفة الذكر وتقييم حالتها الفنية والوظيفية وإمكانية إعادتها كما كانت عليه قبل بدء الحرب.

هذه الحالة أو المصطلح يمكن إطلاقه فقط في البلدان التي كانت مبنية ومؤسسة بشكل صحيح وواضح المعالم الهندسية والفنية وتم خلال الحرب تضرر أبنية ومنشآت لا غير.

 أما في حالتنا السورية فمنذ استلام البعث البائد مقاليد الحكم في سوريا (آذار 1963) لم يتم تطوير البلاد عمرانياً واجتماعياً ومؤسساتياً على العكس تماماً؛ فقد جرى تدمير ممنهج للترابط المجتمعي في البنية الاجتماعية السورية ولم يتم تطوير عمل المؤسسات السورية لتصبح فاعلة في تسيير البلاد أصلاً.

وعليه فإن تسمية العملية بإعادة الإعمار في سوريا تعني إعادة الوضع كما كان حرفياً وبالتالي استمرار حالة الفوضى الاجتماعية والمؤسساتية ناهيك عن العمرانية.

 وهنا لا بدّ أن نشير إلى انتشار العشوائيات بشكل ملحوظ في زمن البعث ونراه حالة مقصودة وليست عبثية بالمطلق، بل كانت ضمن خطة حكومات البعث المتلاحقة هدفها خلق حالة خزانات بشرية لها ولاء مطلق للبعث وحكامه، وأيضاً عملية هندسة مجتمعات تكثر فيها الجرائم المنظمة المطلوبة لاستمرار حكم العصابة الحاكمة آنذاك بدمشق.

تنفق الدول الواعية ملايين الدولارات لتفكيك تلك المجتمعات العشوائية الموبوءة لعلمها الجيد بمدى خطورة تلك العشوائيات كونها البيئة الخصبة لعالم الجريمة المنظم.

فهل نود إعادة إعمار تلك العشوائيات؟

خلاصة القول في مصطلح (إعادة الإعمار):

لا يهتم هذا المصطلح ببناء المؤسسات بناءً حوكماً بل بناء حجر فقط.

لا يهتم المصطلح ببناء المجتمع بناءً سليماً.

لا يهتم المصطلح بعملية تطوير البلاد.

إعمار سوريا:

كما ذكرنا أن نظام البعث لم يهتم بتطوير البلاد بكل المناحي، فلم نشاهد تطوير التعليم والصحة والثقافة والبنى التحتية والمرافق. ومن المعلوم للمخططين المعماريين والاستراتيجيين أن الخطط توضع على عدة مستويات، منها ما هو قريب ويطلق عليه (المدى القصير)، ومنها ما يطلق عليه (المدى المتوسط)، ومنها ما يسمى (المدى البعيد).

عبر خمسين عاماً لم نشهد خططاً عمرانية أو استراتيجية (رؤية) تعطي ملامح واضحة لسوريا الغد لا على الورق ولا على الأرض.

فمن يعرف سوريا عام 1963 وغاب عنها كل تلك الفترة وعاد إليها مؤخراً سيجدها كما هي بدون أي تطوير أو تحديث، ولربما — وأجزم بذلك — سيجدها أسوأ مما كانت بحكم الانفجار السكاني الرهيب وعدم مواكبة هذا الانفجار السكاني من قبل الحكومات لعدم تقديمهم حلولاً هندسية تتبع خططاً طويلة الأمد.

أمثلة عن ذلك..

في عام 1963 كانت شبكة الكهرباء لدمشق (كمثال) تغطي 350 ألف نسمة، واليوم عدد سكان دمشق مليونيْن ونصف مع التطوير الطفيف الذي حدث منذ ذلك الوقت إلى الآن وغير الملاحظ لا يمكن أن تخدم الشبكة القديمة الوضع الراهن. كذلك الصرف الصحي وشبكة المياه، المستشفيات والمباني التعليمية وخلافه.

نحن هنا نتحدث عن (إعمار سوريا) بما يشمل الشقين: ما خلفته آلة الحرب من دمار (وفق خطة الدولة كتخطيط عمراني صحيح) وتطوير وتحديث البلاد من بنى تحتية وفوقية وهندسة اجتماعية وبناء مؤسسات الدولة بشكل صحيح.

إن عملية إعمار سوريا (تعمير المدمر وتطوير البلاد) ستحتاج منا كسوريين جهداً كبيراً وسنوات طوال وفق ما ذكر أعلاه ضمن المراحل الثلاث الرئيسية (القريبة والمتوسطة والبعيدة).

 وأتفق أن أسمّي إعادة بناء ما تم تهديمه من قبل آلة الحرب بالمرحلة القريبة والتي لا يجب أن تزيد عن ثلاث سنوات، وخاصة إعادة المهجرين إلى منازلهم التي دمرتها آلة الحرب الأسدية.

أرى أن مصطلح إعمار سوريا هو المصطلح الأدق والأكثر صوابية للحالة السورية خاصة من مصطلح إعادة الإعمار.

 ونشدد هنا على ضرورة البدء بوضع خطط عمرانية واستراتيجية للبلاد (طويلة الأمد) أو ما يسمى (رؤية) سوريا المستقبل بعد 30–40 عاماً، وفي هذا المجال هناك الكثير من الخبرات السورية والمختصين بالتخطيط العمراني يجب على الحكومة السورية العمل على استقطابهم وفتح المجال لهم ليقدموا ما لديهم لبلادهم.

زر الذهاب إلى الأعلى